محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
53
الاعمال الصوفية
اجتمع النطق كلّه في حرف ، وتعلّق ذلك الحرف بالله ، لما بلغ كنه حمده ، ولا حمل رؤية قربه . وما أرسل الله العبد إلى الحرف إلا ليقتبس حرفا من حرف كما يقتبس نارا من نار . فإذا خرج العبد من الحروف فقد نجا من السحر . وهذا الخروج عن الحرف خروج عن الاسم والمسمّيات وعن كل ما بدا ، ولذلك فهو يفضي إلى الصحبة الكاملة . ولن يقف الصوفي في رؤية الله حتى يخرج عن الحرف والمحروف . الحرف حجاب : والعلم حرف ، والمعرفة حرف ، ولن يفلح المتصوّف ما لم يخلّف الحرف وراء ظهره . لأن الشكّ يسكن في الحرف ، والكيف يسكن في الحرف ، فالحرف فجّ إبليس . الحرف لا يعرف الله ، والله يخاطب الحرف بلسان الحرف ، والحرف أعجز من أن يخبر عن نفسه ، فكيف يخبر عن الله ؟ الحرف دليل إلى العلم ، لكنه لا يلج الجهل : فالعلم في الحرف ، ومن أجله ينحت الحرف في دهليز الله . والوليّ لا يسعه حرف . إذا ثبت الحرف للصوفي ، فما هو من الله ، ولا الله منه . والحرف لا يلج الحضرة ، وأهل الحضرة يعبرون الحرف ولا يقفون فيه . الخارجون عن الحرف هم أهل الحضرة ، والخارجون عن أنفسهم هم الخارجون عن الحرف . والله أقرب من الحرف وإن نطق ، وأبعد من الحرف وإن صمت ، لأنه ربّ الحرف والمحروف . والأسماء نور الحرف ، والمسمّى نور الأسماء . الكون الكون موقف ، وكل جزئيّة من الكون موقف : والكون كله سوى ، إذا أجابه الصوفي عذّبه الله ، ولم يقبل منه ما جاء به . ومن تعلّق بالكون عرض له الكون . ولكن إذا أقام الصوفي عند الله اجتاز الكونيّة ، لأن رؤية الله تمحو الكون . والوقفة حقّا نار الكون ، لأن الواقف إذ لا يستقرّ على كون يعبر صفة الكون . والكون كلّه لا يسع عطايا الله . لم يدرك الكون فهم تكوينه ، ولن يدركه . وإذا جعل الصوفي الكون طريقا من طرقاته لم يزوده الله منه بزاد ، لأن الزاد لا يأتي من الطريق . الكون كالكرة والعلم كالميدان . ف « أنت » ، أعني : فكرة المخاطب ، هي معنى الكون كلّه . أخيرا ، من المفيد أن نجمع معا المقاطع التي تلقي الضوء على المذهب الخاص بالنفري عن المعنى والاسم والحروف ، إذ غالبا تكون الجمل المنفصلة عن بعضها غير مفهومة ، لكنها إذا جمعت وقوبلت كوّنت فلسفة صوفيّة مثيرة ودقيقة .